اسماعيل بن محمد القونوي

159

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أيضا أفضل منهم إذ لا قائل بالفصل ( لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل ) « 1 » لإحاطة المعقولات والمحسوسات التي لا يتيسر لهم لفقد القوى الشهوية والغضبية والوهمية وما يتعلق بها فيهم فيكون آدم أعلم منهم على الإطلاق والمراد بالأفضلية من جهة الثواب ولما كان العلم سببا لتكثير الأعمال وحسن النيات والاعتقادات تمسك في إثبات ذلك ( بقوله تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] مع أن المطلب من قبيل المتنازع فيه فلا وجه للبحث هنا ولا يلزم أن يكون آدم أفضل من نبينا عليه السّلام ضرورة علمه بجميع الأسماء فإنه مع كونه غير معلوم انتفائه في نبينا عليه السّلام لا يفيد المطلب لأن من علوم النبي عليه السّلام علم اللوح والقلم فمن ذهب إلى ذلك فليس إلا من طغيان القلم . قوله : ( وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها ) حيث دلت الآية على أنه تعالى علم آدم عليه السّلام جميع أسماء المسميات وخواصها وقوانين العلوم وأصول الصناعات وكيفية آلاتها إلى يوم القيامة ولا ريب في أن التعليم إنما هو بالعلم وأيضا دلت الآية على أنه تعالى كان عالما بأحوال آدم عليه السّلام قبل خلقه كما كان عالما بأحوال الأشياء قبل وقوعها وتعلق العلم بالأشياء قبل وقوعها قديم أزلي لا يتغير أصلا لأنه تعلق في الأزل بأن الشيء سيوجد في وقت كذا على كيفية كذا أو سيعدم وهذا العلم باق لا يتغير أصلا وأما تعلقه بأنه وجد الآن أو قبل فحادث ومن أراد التفصيل فليطلب من رسالتنا المعمولة لبيان علمه تعالى وتعلقه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) قوله : ( لما أنبأهم بالأسماء ) إشارة إلى ارتباطه بما قبله لكن الأولى ترك قوله قوله : وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها هذا المعنى مستفاد من قوله عز وجل : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] لأن المعلومات الممكنة داخلة تحت عموم أن ما لا تعلمون ويمكن أن يؤخذ هذا المعنى من قوله سبحانه أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 33 ] وما سيوجد ويحدث في المستقبل من الحوادث في الأرض والسماوات بواسطة اختلاف أوضاع الأجرام الفلكية بحركاتها سرعة بطئا وموافقة ومخالفة قسرا وإرادة واتصالات الكواكب وافتراقاتها .

--> ( 1 ) قال المصنف في سورة النبأ فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من اللّه تعالى إلى آخره وظاهر كلامه أن الملائكة أفضل وهذا مذهب المعتزلة وذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني والحليمي وغيرهما ممن تبعهما من أهل السنة فلزم المخالفة بين كلاميه ويمكن التلفيق بينهما بأن يقال اختار هنا مذهب جمهور أهل السنة واختار هناك مسلك الحليمي وغيره أو يقال أراد بالأفضلية هنا من جهة الثواب وأراد بها هناك من جهة التجرد عن العلائق الجسمانية ولا نزاع في أفضليتهم من تلك الجنة وإنما النزاع في الأفضلية من جهة الثواب وأنت خبير بأن الملائكة لا يثابون حتى قال بعضهم ادخال هذه المسألة في باب الاعتقاديات مما لا طائل تحته . قال المصنف في تفسير قوله تعالى : وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] الآية من سورة المجادلة فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة .